الأفكار في مجتمع يتطور

في المجتمعات التي تمر بمرحلة النمو والتطور لابد لها أن تعيش في أجواء من الحرية الفكرية تسمح بطرح كل الآراء والأفكار لتخلق منها حاضنة مجتمع فكرية للابتكار والحلول والآليات، ففي ظل غياب الحرية في الطرح والتفكير خارج الصندوق فإن غالب الابتكارات والحلول والآليات ستبقى في بوتقتها السابقة وتكون التغييرات شكلية ومؤقته لا تعالج بالضرورة العديد من التحديات والمعطلات المستقبلية.

ولا يمكن أن يكون هناك حرية في طرح الأفكار دون ضمانات قانونية تحمي أصحاب الأفكار من الملاحقة السياسية أو الشيطنة الأمنية وكذلك تحميها من سرقة حقوقها الفكرية وتجيير تلك الأفكار لصالح أشخاص أو جهات دون وجه حق.

صرح الأفكار بحرية لا يمكن أن يتحقق دون توفر بيئة محمية قانويناً وواسعة الأفق للتعبير والنقاش، بحيث تصبح كل الأفكار متاحة للتداول دون معوقات وخطوط حمراء تحد من الإنطلاق الفكري أو الحدود الهلامية التي يسهل بها تجريم أي خارج عن المألوف، فالتفكير خارج الصندوق هو في أصله خروج عن الأنماط المتبعة في السياقات الماضية لمجتمع يمر في مرحلة التغيير، ولذلك فحماية الطرح غير المألوف يصبح أهم العوامل لازدهار البيئة الفكرية و الإبتكارية والذي لا يمكن أن يعمل إلا في أجواء من الأريحية والحماية القانونية والحرية.

تخضع الأفكار و الأراء المطروحة لإختبار المنطق والفائدة والتأثير الإيجابي والقبول الشعبي باعتبار تلك الأفكار انبعاث جديد لمجتمع يسعى للتطور فإما أن تصمد وتتحول بفعل الآليات الصحيحة للتنفيذ لواقع معاش او تسقط في مكانها، وليس لمقصلة الحدود الكهربائية ومتطلبات الساعين للتغيير وفق المنهج الذي يقبلونه فقط، فالتغيير المحدد سلفاً ليس تغيير بقدر ما هو تعديل قد لا يتوافق مع الطموح الذي يوصل للتغيير الإيجابي طويل الأجل.

يجب التعامل مع الأفكار التي تنشأ في البيئة الحرة التي تتمتع بحماية كاملة باعتبارها ذخيرة اجتماعية تغني الروح الجماعية للمجتمع رغم التضاد والتنافر الذي قد يظهر بينها في كثير من الأحيان، فصندوق الأفكار والحلول والآليات التي قد لا تناسب مرحلة ما قد تكون مناسبة لفترة لاحقة، لذا فإنه ليس هناك أفكار غير صالحة بالمطلق، فقط هناك أفكار قابلة للتنفيذ في مرحلة ما وأخرى تقبل التنفيذ في مرحلة قادمة، وعليه فكل الأفكار الفاعلة التي ينتجها العقل الحر تعد ذخيرة لعقل جمعي لمجتمع يسعى للتطور والتغيير تماشياً مع متغيرات الظروف التي تحيط به.   

المجتمع الذي يسعى للتطور يجب أن ينطلق من قاعدة مثبتة لا يشكك فيها أي عقل يعى حقيقة حركة المجتمعات، وهي أنه لا يوجد في أي مجتمع شخص أو جهة أو تكوين اجتماعي لديه كل الحلول أو الأفكار الناجحة بمفرده، الإيمان بذلك يعني أننا ننظر لتلك المكونات باعتبارها خارقة للطبيعة، والمجتمعات في عالم الواقع لا يوجد فيها الخارق للطبيعة، لذلك فإن الصواب والخطأ قد يؤخذ به وقد يرد عليه، وفي عالم الأفكار ليس هناك إحتكار في الحق وعليه فإن فرض ميزان العدل والمنطق ومصلحة المجتمع طويلة الأمد في تناول الأفكار يعد المطلب الأساسي في التقييم وفي التعامل مع تلك الأفكار الناشئة.

التغيير والتطور يأتي بتلاقح الأفكار المتناقضة والمتضادة المطروحة للنقاش بحرية، فكل الصور الكاملة في هذا العالم لا تتكون من بهتان لوني أو عبارات مجترة، بل على العكس، كل ما كانت اللوحة غنية بالألوان كلما وصفت بأنها جميلة وعظيمة، وكلما كانت القصائد تحمل توصيفات مبتكرة كان الشاعر أعظم وقصيدته خالدة.


أرسلها عبر الفيس بوك
انشرها عبر تويتر

عزيزي زائر المدونة أشكرك على تلطفك بالمحافظة على النقاش الهادئ و المتزن و الهادف للإستفادة و الإفادة. تحياتي ... ياسر

اترك تعليقاً