رحلة البحث عن الإنسان والندم

ربما بعد أن تبلغ سن الخمسين مثلي وربما قبل ذلك، ستكتشف أن معرفتك في البشر محدودة، حتى لو كنت محاطاً بالأصدقاء المحبين و الأوفياء المخلصين و الأقارب الأقربين فإنك أيها الإنسان عاجز عن أن تفهم الأسباب التي تدعو المحب أن يحب و الكاره أن يكره والمجرم أن يُجرم والظالم أن يظلم، معرفتنا نابعة من أحكامنا الشخصية عليهم وطبيعة ما مسنا منهم من خير أو شر، لا نحتاج أن نغرق في فهم هؤلاء بل نكتفي بأن نحكم عليهم وفق ميزان التجربة الشخصية.

قررت في بداية شهر أكتوبر الماضي البدء في قراءة روايات للأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي والذي كانت الأوساط الأدبية الغربية منها والعربية تجهز للاحتفال في الشهر التالي وتحديدا في يوم ١١ نوفمبر ٢٠٢١ بعيد ميلاده الـ٢٠٠، ونظرا لكوني  لم يسبق لي أن اطلعت على الأدب الروسي بإستثناء رواية “آنَا كارينينا” لـ”تولوستوي” ايام الجامعة والتي لم أكملها لطولها، و رغم ما كنت أسمع عن الأدب الروسي من محبي الروايات، إلا أني لم أعزم يوماً على المضي جاداً بذلك، ربما لكون معظم أعمال الأدباء الروس تتصف بالطول والتعقيد.

كان الخيار واضحا بالنسبة لي، فالبداية لابد أن تكون برواية “الجريمة والعقاب” المكونه من جزئين ومن بعدها “الإخوة كارامازوف” المكونة من أربعة أجزاء، وقد قطعت على نفسي عهداً بأن أنجز الروايتين قبل نهاية العام، وبالفعل انتهيت من قراءة الأخوة كارامازوف في ليلة الثلاثين من ديسمبر الفائت محملاً بمتاعب نفسية فتحت في مخيلتي اسئلة لم أكن أعلم أني ابحث عنها.

بعد أن قرأت لهذا الروائي العظيم إكتشفت أن غالبية أحكامي على الناس مِن مَن أعرفهم نابعة من نظرة قاصرة، مجرد أوهام أرتاح لها تجعلني أذهب للنوم دون حيرة واستفهامات، ففي كثير من الأحيان أعتقد إني أفهم الإنسان الذي يقف امامي، بتصرفاته وخلجاته وتأزماته وأفراحه، بينما في الحقيقة انا لم اكن أفهمه أبداً، لاني في حقيقة الأمر لم أبحث بتجرد من احساسي الذاتي عن حقيقة تلك النفسية التي تتصرف أمامي بتلك الشاكلة أو تلك.

لو سألت أي احد يقف أمامك الآن عن الحادثة أو الموقف الذي قد يكون قد ندم عليه في حياته، فإن الغالبية سترد بأنها لا تندم على الماضي بل تعتبر أي خطأ وقع منها ليس إلا درس وتجربة استفاد منها للمستقبل، لن يقول لك أنه ندم في يوم، لان الندم في وعيه الذي لونه له المحيط يعد نقيصة، فيفضل الكذب على أن يعترف أنه نادم عن أي شئ.

قراءة دوستويفسكي علمتني في الوقت الذي لم تعلمني فيه مدرسة او مجتمع بأن الندم فضيلة منبعها أن أكون صريح مع نفسي لا أخجل من الإعتراف بندمي، نعم ندمت على الكثير من قراراتي التي اتخذتها في حياتي، وعلى جميع المستويات، العملية منها و الشخصية، ندمت على ارتكاب الأخطاء كما ندمت على فعل الصواب عندما كان فعل الصواب في غير محله وأهله خطأ، وربما كغيري اردد العزاء الوحيد بالقول أن الأخطاء التي إرتكبت ستكون درس استفيد منه في قادم الأيام إن كان الله كتب لنا العمر.

واجه أي شخص وعاتبه بأدب بأن تقول له أنك تشعر بأنه يكذب أو انه انتهازي أو ظالم، سينتفض أمامك مدافعاً عن نفسه حتى يخيل لك أن من يتحدث أمامك ليس إلا ملاك، لا يكذب ولا يستغل الناس خدمة لنفسه أو يظلم مستضعفاً بكلمة أو فعل أو شعور، كهذا نحن البشر نرفض الاعتراف بأقل من كمالنا رغم كل التواضع المصطنع الذي نظهره والأدب الجم الذي نرسمه والنفاق الاجتماعي الذي احترفناه، نعتقد أننا بذلك أحرار في حين قال دوستويفسكي “لا حرية صادقة حيث تُشترى الطاعة بالخبز.

ولكن مهلاً، لا تعتقد أن كونك كل ما سبق ينقص من إنسانيتك، كل ما في الأمر أنك ولدت وترعرعت وكبرت كإنسان يكافح من أجل أن يظهر بصورة الملاك لا بصورة الإنسان، حتى المجرم المدان يجد لإجرامه تبريراً يريح به ضميره الملائكي الكرتوني، فهو أجرم لان المجتمع ظلمه أو لان والده عذبه أو لانه لم يحظى كغيره بالحظ والدعم.

رواية الإخوة كارامازوف كشفت لي بأن الحب والجنون شئ واحد، في حين ان ما نعقد أنه الحب في حقيقته ليس إلا تعلق وتعود وخوف من فقدان المساحة المريحة التي تبوتقنا فيها، فالحب الحقيقي لا يمكن أن يكون بإشتراط الاخذ والعطاء كما يقال، فمتى رأيت أم تضع على طفلها شروطاً لتحبه، الحب الذي نعتقد أننا نشعر به بكل تجلياته الشكلية و الحسية في حقيقته تجلى في كتابات أدباء ومفكري العصر الرومانسي، فتحول مع مرور الوقت إلى مشروع تعاقدي حتى اختلط على الناس ما نعرفه بالاعتياد والإتفاق فتوهمنا أنه الحب الذي تغنت به الرومانسية، قال دوستويفسكي “أتدري ما هو الحنين ؟ الحنين هو حين لا يستطيع الجسد أن يذهب إلى  حيث تذهب الروح”.

ومثل الحب فالظلم اليوم يأخذ أشكالا لا نهاية لها، فالإبن يرى في قسوة والده ظلم والحاكم يرى أن قسوته على شعبه عدل والموظف الكسول يرى الظلم في عدم ترقيته والضعيف يرى كل من حوله ظالم، اختلط المفهوم فبات تبريراً يسوقه كل مرتبك وكل متأزم وحتى كل ظالم، لا أحد يريد أن يفهم ماهو الظلم ولماذا الظلم وهل هو حقاً ظلم.

كتب دوستويفسكي في رواية الجريمة والعقاب: “ما الذي تقوم به ؟ أقوم بعمل .. أي عمل ؟ .. أجابها جاداً بعد صمت “أفكر”، لو كنت شخصاً يعمل في السلك التعليمي لقررت دون تردد أن تفرض على الطلبة في المرحلة المتوسطة والثانوية قراءة  روايات دوستويفسكي، فقيمة الحكمة و الدروس و الاكتشاف التي يمكن للطالب أن يخرج منها قد تعفيه من مناهج أخرى لا تقدم للطالب إلا عبارات يحفظها ولا يفهمها، ولن تفيده في حياته ولا تنير له الطريق، فأعمال هذا الأديب الروسي الذي ربما لن تجد فيها تعبير خادش أو وصفاً خارجاً عن الأدب يعد في تصوري وهو أمر متفق عليه من معظم المتخصصين أهم من كتب عن النفس الإنسانية حتى أن سيغموند فريد عالم النفس المعروف قال ذات مرة  ” دوستويفسكي معلم كبير في علم النفس ، لا أكاد انتهى من بحث في مجال النفس الإنسانية، حتى اجد دوستويفسكي قد تناوله قبلي في مؤلفاته “.


أرسلها عبر الفيس بوك
انشرها عبر تويتر

عزيزي زائر المدونة أشكرك على تلطفك بالمحافظة على النقاش الهادئ و المتزن و الهادف للإستفادة و الإفادة. تحياتي ... ياسر

اترك تعليقاً