تجليات الجنون

لا أريد ان أكتب عن السياسة أو عن حال المجتمعات أو كم هو نتن هذا العصر المزدوج برائحته التي إنبعثت من امراض العنصرية والطائفية والتحزب الساذج.
لن أغوص في بحور العقل أو أفتح أبواب المنطق لأفهم أو أسأل، لن أجاذب مواقفي المستتر ة او أفكاري المعلنة أو اتلاعب بكلمات و رموز يفهمها أحدهم و جل البشر لا يعون جلها.
سأكتب عن العقل و ربما أسطر هنا شئ من تجليات جنوني الذي قد يكون خافيا على الجميع، بل هي تقية عقلية في زمن التقية التاريخية، فكل تاريخنا خليط من كذب وحقيقة و لأكون منصف سأقول أن جله كذلك، فلما لا أكون أنا بدوري إنعكاس لهذا الواقع الذي له ألف وجه قبيح و ربما وجه واحد جميل.
في الصغر كان يقال لنا أن الحياة ستكون أجمل عندما نكبر و نتعلم كيف نتحمل المسئولية و نكون أفراد فاعلين في محيطنا الصغير، فلا مكان لنا في أن نحلم بمحيطنا الكبير فذلك رجس من عمل الناكرين، سنكون كباراً ذات يوم حيث سيُسمع لنا في حينه، و لا عجب في أن يكون حلمنا في الصغر أن يسمعنا البشر فقط، و قد كان ذلك المعنى في قاموسنا اللامسئول مجرد شئ نسمعه و لا نعيه.
في أحيان كثيرة ينتابني شعور بأني مجرد إنعكاس طيف لحالة كانت موجودة في الماضي، شعور ليس تماما كما يسميه الناس تناسخ الأرواح و لكن شئ يشبه أن تعيش في حياتك و أنت تشعر أنك تقوم بدور تمثيلي في عمل سينمائي أُنتج عام ١٩٦٠ أو شخصية في رواية كتبها نجيب محفوظ أو جورج اورويل أو ربما مؤلف مغمور لم يحن بعد موعد اعتراف العالم بعظمة أعماله.
أتمشى يوميا بين أروقة الأفكار أبحث فيها عن شئ – حقا – لا أعلم ما هو هذا الشئ بالتحديد و لكني أعلم أنه مكتوب لي أن أجده ذات يوم، و رغم شغفي بالبحث و التنقل بين رأي من هنا و رأي من هناك أجد أن هناك غيمة من سخام فكري و روحي يحوم في المكان، أحاول أن أقاوم التنفس فأجد نفسي أتوقف عن التفكير فأصاب بالذعر فأمتنع فورا و أعود لمدخل الرواق أحيانا و في أحيان كثيرة أنكفي في محيطي الصغير الذي مازلت وفياً بأن لا أتجاوزه لكي لا أصاب بالرجس.
عندما أفرح يكون العالم حولي موسيقى و عندما أحزن يكون كل شئ في هذا الكون بيت شعر خلقه شاعر نبطي عظيم، و لكن أجمل اللحظات هي تلك التي يختلط فيها الفرح مع الحزن فتتحول حياتي للحظة جنون رائعة تتجلى فيها كل النرفانات الفكرية و تنكشف في ثناياها حقيقة الكون و تمتزج فيها الحان العقل بكلمات القلب بمشاعل السمو، تجاب حينها كل الإستفهامات الشخصية و تسمع كل الأصوات النفسية و يصبح لون النور بعيني بلون الوجود الذي يبقى سرا يصعب كشفه إلا لمن كان عقله المجنون مدرك لنفسه.
أحد الأمور التي أحزن لها في حياتي كبالغ هي أني إكتشفت أن الحياة التي كنت أتطلع لها و أنا صغير لم تكن سوى حلم جميل خلقته في ذهني و تأملت بل تعلقت به  كل ذلك الوقت من أجل ان أنام عندما يحل المساء وانا متطلع لما سيأتي به القدر بعده، و ما يفرحني في هذه الحياة التي تأخذني كل يوم من مكان لأخر هو أني لم أعد صورة و جسد صامت لا يسمعني أحد، فهأنا هنا يسمع تجلياتي المجنونه التي سجلتها ذبذبات عقلي كثير من الناس، منهم من يقول هذا كلام عاقل و أخرون سيعتبرون ما أقوله بلا قيمة، في حين أن بين هؤلاء و هؤلاء تكمن طائفة من المجانين العقلاء ممن يرى في كل سطر من هذا السطور صورة لمعنى و في كل حرف من هذه الحروف لحن لوتر و في كل تنهيده سبقت كلمة معنى عميق لا يمكن أن يخطئه عقل متفتح طامح بأن يكون هو هو لا أن يكون مجرد روح تردد ما سمعه في طفولته تماما كالببغاء الذي يبقى جميلا ما دام يسكن قفصه المزركش و يصمت عن ترديد الكلام عندما يحين موعد المنام.


أرسلها عبر الفيس بوك
انشرها عبر تويتر

عزيزي زائر المدونة أشكرك على تلطفك بالمحافظة على النقاش الهادئ و المتزن و الهادف للإستفادة و الإفادة. تحياتي ... ياسر

اترك تعليقاً