التلفزيون و حق الموت

نشرت الصحافة الغربية يوم أمس 10 ديسمبر خبرا يتعلق بإعتزام قناة التلفزة البريطانية Sky Real Lives بث برنامج وثائقي بعنوان (حق الموت – Right to die) يتناول و للمرة الأولى على الشاشات البريطانية مشهد انتحار رجل بمحض إرادته أمام الشاشة الفضية، و هو البروفيسور الجامعي المتقاعد (كريج أيوارت) البالغ من العمر 59 عام و الذي قرر أن يضع حد لحياته بنفسه و بمعاونة إحدى الجمعيات السويسرية التي تعنى بتوفير الموت بكرامة حيث سيقوم بتناول جرعة سامه ستقوم على قتله بطريقة سريعة و دون ألم و في أقل من ساعة زمنية.

و قد شاهد المواطن البريطاني مساء أمس و في تمام الساعة التاسعة بمساء التوقيت المحلي مشاهد الانتحار هذه حين  البروفيسور بتجرع الجرعة القاتلة و بجانبه زوجته ماري البالغة من العمر 37 سنة و التي قال لها أثناء تجرعه لجرعة السم القاتلة بأنه يحبها كثيرا وقد أجابتها أنها تحبه كذلك حبا عظيما و تمنت له رحلة موت سعيدة لحين الملتقى مجددا في العالم الآخر.
لا أدري إذا كان هذه أخر الصرّعات التي يبتكرها الإعلام التلفزيوني الغربي في سعيه لاستقطاب أكبر قدر ممكن المشاهدين في وقت يفقد التلفزيون كثير من انتشاره لصالح الوسائل الإعلامية الأكثر تفاعلا مع الجمهور و خصوصا الإنترنت، و لا أدري إذا كان هذا أخر ما توصلت إليه الحضارة الغربية و منتجاتها من حضارة استهلاكية أوصلت بنا لأن نتقبل الموت و أن نشاهده موثقا على أنه جزء من تلفزيون الواقع و كمكّون طبيعي من حياة الإنسان المنتهية بالموت.
لا شك في أن هذا العمل لا يمكن القبول به دينيا و لا عقليا، فالانتحار مرفوض بكل الشرائع الإنسانية مهما اختلفت و مهما شذت عن المنطق العقلي و الروحي السليم، و لكن لن أناقش هنا قرار إنسان ضعيف قرر أن يأخذ حياته، فهذا أمر بينه و بين ربه، و لكن علي هنا أن أسلط الضوء على مسألة قمة في الخطورة و هي ما قام به التلفزيون من تحويل هذا العمل الا إنساني إلى مادة تلفزيونية جماهيرية و هو عمل هدفه أساسا التكسب المادي بطريقة انتهازية غير إنسانية بل حيوانية و وحشية هو أمر لا بد من إعلان رفضه و استنكاره بشدة ، وذلك من منطلق أني أرى في مثل هذه الممارسة خطرا على عقولنا و على أرواحنا لما قد يصيبها من تبلد تجاه الموت في القريب العاجل خصوصا و أننا و للأسف في طريقنا لذلك نتيجة ما نشاهده من مشاهد الموت اليومية و القتل العلن في حروب أصطنعها الإنسان لكي يحيا على جثث الأموات.
فأتذكر أن تلفزيون الواقع كان في مخيلتنا و عقولنا العربية مرفوضا قبل ظهوره لدينا بعدد من السنين، فهو كان و لا يزال يتنافى مع كثير من المثل و العادات و الأخلاق العربية و الإسلامية المحافظة، إلا أننا كمجتمع قبلناه مجبرين بفعل ماكينة غسيل العقول التي نجحت بأن تغير كثير من مفاهيمنا و بدلت أكثر في قناعاتنا الإنسانية.
أخاف جدا و أقولها مجددا بأني أخاف جدا أن يأتي اليوم الذي تستورد بعض قنواتنا الغارقة في الجشع الإعلاني برامجاً مبنية على (Format الموت هذه) و أن تعلن لمن أراد الشهرة و المال من كبار السن و اليائسين من الشباب أن يتقدموا لمسابقة يحق للفائز بها أن يحقق حلمه في الموت على شاشات التلفاز و أن يعلن اسمه في صدر الصحف و النشرات الإخبارية بجانب الشهداء و الأبرار من أموات امتنا في فلسطين و العراق و أفغانستان.


أرسلها عبر الفيس بوك
انشرها عبر تويتر

عزيزي زائر المدونة أشكرك على تلطفك بالمحافظة على النقاش الهادئ و المتزن و الهادف للإستفادة و الإفادة. تحياتي ... ياسر

9 responses to “التلفزيون و حق الموت”

  1. شموخ نجد

    صباحك رضا ابو عبد العزيز0
    اخي في ظل فراغ روحى يعيشون فيه لايستغرب ذلك 0والدليل برفسور هو من قام بذالك العمل اذن لاينقصه العقل ولا الفهم فقط خواء روحى
    الذي يهمنا في الموضوع او السوال الذي يطرح نفسه
    ماهي الطريقه التى سيغلف بها التلفزيون الواقعي جلب تلك الظاهره لمجتمعنا ؟
    فأنت تعلم اخى انا لابد لنا من غطاء حتي ندخل بجدل عقيم يتحول لحرب بين لبرالي ومتشدد ويمرق من خلال الجدل الظاهره المستقدمه وتكون حين ينتهى الجدل اصبحت عاده موروثه للكثيرون
    برائي انهم سيستغلون التحدي بين الشباب لادخال تلك الظاهره هنا

    دمت كما تحب اخي

    اخوي ياسر
    اصبحت مودنتك اول مايفتح في جهازي صباحا وكل عشر دقائق اعود لاحدث انتظرا لماستظيفه 0

  2. مازن السيف

    الأستاذ القدير ياسر
    وماذلك على المشاهد العربي ببعيد .
    ذلك لأن القنوات الفضائية العربية ماهي إلا قنوات مستنسخة من القنوات الغربية جملة وتفصيلاً بجميع ماتحمل من قيم وبجميع ماتحمل من رذيلة
    ولك تحياتي

  3. روان الوابل

    ؟!؟!؟!

    مقرف ومقزز !!
    هل أصبح الموت حق ؟! أم هو مصير أم هو خيار من خيارات هذه الحياة أختاره متى مللت؟!

    الغرب يبالغون في كل شي ويفقدون كل شي معناه الحقيقي فهل هذا الحدث يستحق أن ينقل فيما يموت الملايين غصبا دون إهتمام؟!

    هل هو الجشع المادي وحمى الصرعات أم فراغ روحي وإستهلاك للمشاعر الإنسانية؟!

    لا أفهم و لا اريد ..

    شكرا على إثارة علامات التعجب والإستفهام في عقلي ..

    تحياتي ..

  4. sara

    الله يستر ..!!

    عش رجبا .. ترى عجبا ..

  5. Shada

    أنا كنت مستغربة كنت أعتقد أنه انسان سليم صحياً ..لكن بعد قراءة الخبر اتضح لي انه مريض مرض تقدمي يدمر الأعصاب التي تتحكم بالعضلات وستسوء حالته مع الوقت ويصل لمرحلة سيئة جداً ويتوفى .
    الجدل الطبي موجود من زمان وكان بشكل خاص بين المجال الطبي وبين الديني أو الإنساني والقانوني أيضاً.
    أما أنه يطرح في الإعلام بهذه الطريقة فهذه الطامة الكبرى ..
    ما أعرف في الحالات هذه ليه الطب النفسي يسحب نفسه؟ ليه ما يتدخل .. مريض بمرض مدمر لم يتوصل الطب لعلاج ينهيه ،أكيد تمر عليه أزمات نفسيه أو يحبط ..وأكيد في لحظات يتمنى الموت لما يجد نفسه مشلول من الحركة وبالكاد يتنفس ومابقي متعة في الحياة إلا وراحت منه وغداً سيفقد القدرة على الكلام ..لكن السؤال المطروح فين الرعاية الصحية الأولية النفسية لهذا المريض؟ خلاص قال أبغى أموت قلنا أهلاً وسهلاً ..
    عموماً أشكرك على المقال .. أنت تناولت الجانب الإعلامي وأجدت الطرح . وبالتأكيد أتفق معك .. وأتمنى أنها تكون آخر حاله .

  6. ليلى.ق

    هذا ليس بغريب على العقلية الغربية المنفتحة للجديد حد الموت .

    (( وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ))
    أحمد الله أن كرمنا بلإسلام وجعلنا مدركين لقيمتنا الإنسانية والشرعية في أحقيتنا للحياة ..
    أتمنى أن لا تصلنا هذه الموضة المحرمة ولو من بعيد أي لا تنقلها لنا الفضائيات .. وأن يتعقل الناس في مشاهداتهم وميولهم ويتيقظوا لحال الحرية الغربية التي جلبت عليهم الموت .

    حمانا الله من مثل هذه المتغيرات .. وثبتنا على دينة ويقينه .

  7. الظاهرة الغير معترف بها

    […] التلفزيون و حق الموت […]

  8. آلاء

    الموضوع ومابه أن الإنسان إذا استهلك اللازم من الدهشة يبحث عن كمية أعلى منها ..
    الحضارة الغربية تتهافت على الغرائب بحثاً عن الدهشة بغض النظر عن أي منظومة خلقية أو قيمية فضلاً عن الدينية باعتبار علمنة السياسات ..

اترك تعليقاً