قانون جاستا – أين نحن وبأي إتجاه علينا أن نسير

1-306وصف مصدر مسؤول في الخارجية السعودية بأن قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” الأميركي المعروف بـ”جاستا”، يشكل مصدر قلق كبير للدول التي تعترض على مبدأ إضعاف الحصانة السيادية، باعتباره المبدأ الذي يحكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين و أن من شأن إضعاف هذه الحصانة التأثير سلبا على جميع الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة وفق ما نقله موقع الجزيرة نت.

القرار و الذي أتى بأغلبية أقل ما يقال عنها ساحقة “348 صوتا مقابل 77” بأن هناك ضعف كبير في قدرتنا على التأثير في أروقة القرار الأمريكي و ليس أدل على ذلك من أن البون الشاسع بين من صوتوا معه و من عارضه، فالقرارات السياسية الجدلية الأمريكية التي يدور رحاها في الكونجرس غالبا ما تشهد فروقات محدوده بين الأطراف مع تغليب المصلحة الحزبية و مواقفها عند التصويت، في حين أن هذا القرار شهد شبه إتفاق بين الحزبين.
القرار صمم من منطلقات وطنية أمريكية و ربما شعبوية تهدف إلى صرف الإنتباه الداخلي حول المتسبب أو المتسببن في الداخلي الأمريكي عن الأخطاء الإستخباراتية التي إرتكبتها الجهات الأمنية في متابعة و تصيد المتسببين عن أحداث سبتمبر قبل وقوعها كما يقول الصحفي لورانس رايت المتخصص بشؤون الإرهاب و الجماعات العنفية الإسلاموية و الذي يرى كذلك بأن إقرار القانون يهدف كذلك إلى تحميل السعودية وزر غضب أسر ضحايا الإعتداء بدلا من البحث في العوامل الحقيقية التي أدت لهذه الكارثة العالمية.
من المعلوم أن عائلات الضحايا سبق لهم و في أعقاب الهجات رفع قضايا تطالب بمحاسبة و مقاضاة أفراد نافذين و مؤسسات في السعودية بتهمة التسبب في الأحداث، و التي إستطاعت السعودية بفضل دبلوماسيتها القوية و المستوعبة لكيفية إدارة الشأن الأميريكي حينها من إخماد فتيل القضية بحيث إنتهت دون أن يكون لذلك أي إنعكاسات سلبية على السعودية بل ربما استفادة منها وذلك بإعادة النظر و التشريع فيما يتعلق بآلياتها في جمع التبرعات و الدعم المنطلق من أهداف دعوية كانت حينها غير منضبطة.
من يتابع الشأن الأمريكي و آليات إتخاذ القرار فيه يعلم أن الأمر في كثير من الأحيان لا يخضع للمبادئ أو المواقف الدائمة بل هي معتمدة على مبدأ المصلحة و إن كانت مع عدو، و أن الصديق هو حليف مرحلي و ديمومة المواقف ليس مبدأ في السياسة الأمريكية، فكيف تصبح إيران صديق بعد عقود من العداء؟ و لي عودة حول هذا الموضوع بعد قليل.
لنرى إذا ما قمنا به لمواجهة هذا القرار منذ أن بدأ يلوح في الأفق، و الأمر المحزن أننا لم نعلم عنه إلا بعد أن إستفحل و أصبح سرطان لا يمكن علاجة، ففي وقت تعددت الزيارات الرسمية السعودية للولايات المتحدة لعقد شراكات إستثمارية و تسليحية و تكثيف التعاون الأمني ومناقشة القضايا السياسة، من قضية الإتفاق النووي مع إيران انتهاءا بالحربين الدائرتين في سوريا و اليمن وهي أمور مطلوبه لحماية الوطن و إستقراره، إلا أن كل ذلك ينصب في الجوانب التنفيذية للدولة كما يمكن أن توصف، إلا أن الجوانب التنظيمية التي تضع إستراتيجيات وقوانين البلاد تدور في مكان آخر و مع أطراف أخرين كان الدور السعودي فيه ومعهم شبه مختفي، وهو ما يفسر الفيتو الرئاسي على القرار و الذي انطلق من موقف مصالح الإدارة التنفيذية الأمريكية مع السعودية، و التي لم تتمكن من إيقافه بسبب أن صوت ممثلي الشعب في أمريكا أقوى من أي سلطة للرئيس.
الدبلوماسية الناعمة للسعودية غائبة كذلك تماما في أمريكا، و ما يسميه البعض بالدبلوماسية الشعبية التي يتصدرها طلابنا المبتعثون لا تتجاوز كونها محاولات للدفاع عن ثقافتنا المحلية و تغيير بعض الصور النمطية عن الشعب السعودي في العقلية الجماعية الأمريكية، و لكنها لم و لن تستطيع أن تؤثر و تخمد ما يدور في دهاليز جهنم السياسة الأمريكية، فالإتهامات التي ربما تتطال السعودية لن تكون موجهه بشكل رئيسي على الشعب بل ستنصب على الحكومة بأفرادها و مؤسساتها وهي الركائز التي إن سقطت يسقط معها النظام و هو الذي بعون الله لن يتحقق.
لا أعلم كيف يمكن أن يكون الرهان على كسب التأثير في القرار الأمريكي من خلال ما يسمى “اللوبي السعودي” في واشنطون و الذي إحتفت به وسائل الإعلام المحلي و كأنه وزارة خارجية الظل، و مكمن تعجبي هذا يرتكز على أنه ليس من أساسه لوبي، فلم نسمع عن “لوبي” وهو مسمى جماعات الضغط الأمريكية يكون مديره غير أمريكي او ان يتحدث كأجنبي، حيث أن عضو اللوبي من أهم مهامه أن يكون لديه قدرة على التجول في أروقة الكونجرس و يتكلم بإسم الشعب الأمريكي و مصالحة المعينة من أجل الضغط و التأثير بإسم الشعب على تصويت الأعضاء لصالحهم، وهو أمر لا يمكن لمواطن سعودي القيام به، وعليه كيف نقتنع من قدرة اللوبي السعودي هذا في القيام بدوره كـ “لوبي” و إحداث التأثير !، إلا إن كان دور اللوبي في رأيهم ينصب فقد في إبداء الرأي في تويتر و أخواتها أو أن المشاركة في وسائل الإعلام وهو دور تقوم به أساسا الخارجية السعودية و سفيرها و أي كاتب و متخصص، فأين هذا اللوبي !
لا زال إعلامنا الرسمي بقنواته الفضائية وصحفه الورقية والإلكترونية يستمر بتوجيه رسائله لمؤديه، و إن كان هناك بعض المحاولات من هنا و هناك لتوضيح الموقف السعودية في الإعلام الغربي تجاه مواقف المملكة إلا أنه لازال إعلاما يخاطب الخارج بعقلية الداخل، فلا زالت الديباجات المعتمدة هي الأساس الذي تنطلق منه التصاريح، وشيطنة العدو بنعته بالأوصاف الأخلاقية لا و لن تجد صداها في ضمير المشرع الأمريكي الذي يفهم لغة المصالح لا لغة الأخلاق، فإن لم تبني حججك من منطلقات لغة السياسي البرغماتي فإن حججك لن تكون أكثر من “ولوله” إعلامية.
لم نسأل أنفسنا كيف يمكن لأمريكا أن تصل لإتفاق مع إيران حول ملفها النووي وقد كانت حتى عهد قريب الشيطان الأكبر لأمريكا سياسيا و إعلاميا و شعبيا، و كيف رضخت إسرائيل مؤقتا بهذا الإتفاق و إن كانت ربما إعلاميا لازالت تشن حوله الحملات المنظمة لولا أنها تفهم أن المصالح الأمريكية هى العامودي الفقري الذي يحكم علاقتها و أن مواقفها مرحلية لا دائمة، و أن قدرة إسرائيل في إطالة عمر حماية مصالحها مع أمريكا مضمونه مادام لديها لوبي “إسرو-أميريكي” قوي كـ “أيباك” يعمل بعقلية تتطابق إستراتيجييتها مع المواقف الأمريكية.
إقرار هذا القانون ناتج في أحدى مناحيه عن كوننا ربما لم نفهم بعد أن العالم يدار وفق مصالح جديدة و التي ليست بالضرورة نفطية، فالبترول قد يصبح في المستقبل مثل الفحم، والتوازنات الإقليمية قد تتجه بعيدا نحو مواطن الكفاءات البشرية في الصين و الهند، و أن المبادئ التي نعتقد أنها دائمة و تاريخية ليست بالضرورة أكثر من كونها مرجعيات قابلة للنقض و التغيير، وفي هذا العالم الذي تغير في غضون خمسة عشر عاما ليس أمامنا إلا أن نفكر بعقلية المحامي و المحاسب لا وفق منطق الفيلسوف والتاجر.


أرسلها عبر الفيس بوك
انشرها عبر تويتر

عزيزي زائر المدونة أشكرك على تلطفك بالمحافظة على النقاش الهادئ و المتزن و الهادف للإستفادة و الإفادة. تحياتي ... ياسر

5 responses to “قانون جاستا – أين نحن وبأي إتجاه علينا أن نسير”

  1. manicure

    Great blog here! Also your site loads up very fast! What host are
    you using? Can I get your affiliate link to your host? I wish my site loaded up as fast as yours
    lol

  2. manicure

    Ahaa, its pleasant conversation on the topic of this article at this
    place at this webpage, I have read all that, so at this time me also commenting at this place.

  3. برنامج سياحي المانيا والنمسا

    موضوع ممتاز ورائع

  4. برنامج سياحي المانيا والنمسا

    Beautiful and wonderful theme

  5. تكلفه السفر الى البوسنه

    Beautiful and wonderful theme

اترك تعليقاً